ابن الجوزي
338
صفة الصفوة
لعناية ، قلت : كيف حبك له ؟ قالت : أعظم شيء وأجله ، قلت : وتعرفين الحب ؟ قالت : فإذا جهلت فأيّ شيء أعرف ؟ إنه الحلو المجتنى ما اقتصر ، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا ، أو فسادا معطّلا ، وهو شجرة غرسها كريه ومجناها لذيذ . ثم ولّت ، وأنشأت تقول : وذي قلق لا يعرف الصّبر والعزا * له مقلة عبرى أضرّ بها البكا وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى * فمن ذا يداوي المستهام من الضّنا ولا سيّما والحبّ صعب مرامه * إذا عطفت منه العواطف بالفنا 978 - عابدة أخرى الجنيد قال : حججت على الوحدة فجاورت بمكة ، فكنت إذا جنّ الليل دخلت الطواف . فإذا أنا بجارية تطوف وتقول : أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنّبا « 1 » إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقرّبا ويبدو فأفنى ثم أحيا به له * ويسعدني حتى ألذّ وأطربا قال : فقلت لها : يا جارية أما تتّقين اللّه تعالى في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام ؟ فالتفتت إلى وقالت : يا جنيد : لولا التّقى لم ترني * أهجر طيب الوسن إنّ التقى شرّدني * كما ترى عن وطني أفرّ من وجدي به * فحبّه هيّمني ثم قالت : يا جنيد تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت . فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار . ثم أنشأت تقول : يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر وتاهوا فلم يدروا من التّيه من هم * وخلّوا محلّ القرب في باطن الفكر
--> ( 1 ) طنب بالمكان أي أقام .